عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

529

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في دلالة ان « سَمِعْنا وَأَطَعْنا » ليس المراد منه السّماع الظّاهر ] لما وصفهم بقوله : « سَمِعْنا وَأَطَعْنا » ، علمنا أنه ليس المراد منه السّماع الظّاهر ؛ لأن ذلك لا يفيد المدح ، بل المراد : عقلناه وعلمنا صحّته ، وتيقّنا أنّ كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - إلينا ، فهو حقّ صحيح واجب قبوله وسمعه ، والسّمع بمعنى القبول والفهم وارد في القرآن ؛ قال تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 37 ] ، المعنى : لمن سمع الذّكرى بفهم حاضر ، وعكسه قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً [ لقمان : 7 ] ، وقولهم بعد ذلك : « وأطعنا » فدلّ على أنّهم ما أخلّوا بشيء من التّكاليف ، فجمع تعالى بهذين اللّفظين كلّ ما يتعلّق بأحوال التّكاليف علما وعملا . قوله : « غفرانك » منصوب : إمّا على المصدرية ، قال الزمخشريّ : « منصوب بإضمار فعله ، يقال : « غفرانك ، لا كفرانك » أي : نستغفرك ولا نكفرك » ، فقدّره جملة خبرية ، وهذا ليس مذهب سيبويه « 1 » - رحمه اللّه - ، إنما مذهبه تقدير ذلك بجملة طلبية ؛ كأنه قيل : « اغفر غفرانك » ويستغنى بالمصدر عن الفعل نحو : « سقيا ورعيا » ونقل ابن عطيّة هذا قولا عن الزّجّاج « 2 » ، والظاهر أنّ هذا من المصادر اللازم إضمار عاملها ؛ لنيابتها عنه ، وقد اضطرب فيها كلام ابن عصفور « 3 » ، فعدّها تارة مع ما يلزم فيه إضمار الناصب ؛ نحو : « سبحان اللّه ، [ وريحانه » ] ، و « غفرانك لا كفرانك » ، وتارة مع ما يجوز إظهار عامله ، والطلب في هذا الباب أكثر ، وقد تقدّم في أول الفاتحة نحو من هذا . وقال الفرّاء : هو مصدر وقع موقع الأمر ، فنصب وهو أولى من قول من يقول : « نسألك غفرانك » لأن هذه الصّيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى ، فقد كانت أدلّ عليه ؛ ونظيره : حمدا وشكرا ، أي : أحمد حمدا وأشكر شكرا . فإن قيل : إن القوم لما قبلوا التّكاليف ، وعملوا بها ، فأيّ حاجة لهم إلى طلب المغفرة ؟ فالجواب من وجهين : الأول : أنّهم وإن بذلوا جهدهم في أداء التّكاليف ، فهم خائفون من صدور تقصير ، فلمّا جوّزوا ذلك ، طلبوا المغفرة للخوف من التّقصير . الثاني : قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « [ إنّه ليغان ] على قلبي ، حتّى أنّي أستغفر اللّه في اليوم واللّيلة سبعين مرّة » « 4 » ، وذكروا لهذا الحديث تأويلات ؛ من جملتها : أنّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - كان يترقّى في

--> ( 1 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 164 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 1 / 370 . ( 3 ) ينظر : شرح المجمل 1 / 407 . ( 4 ) أخرجه مسلم كتاب الذكر 41 وأبو داود ( 1515 ) وأحمد ( 4 / 211 ) والبيهقي ( 7 / 52 ) والطبراني في « الكبير » ( 1 / 280 ) والبخاري في « التاريخ الكبير » ( 2 / 43 ) والبغوي في تفسيره ( 6 / 180 ) .